الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

71

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وهو بصريحه امتنان على المسلمين بأن اللّه ساق لهم أموال بني النضير دون قتال ، مثل قوله تعالى : وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ [ الأحزاب : 25 ] ، ويفيد مع ذلك كناية بأن يقصد بالإخبار عنه بأنهم لم يوجفوا عليه لازم الخبر وهو أنه ليس لهم سبب حقّ فيه . والمعنى : فما هو من حقّكم ، أو لا تسألوا قسمته لأنكم لم تنالوه بقتالكم ولكن اللّه أعطاه رسوله صلى اللّه عليه وسلّم نعمة منه بلا مشقة ولا نصب . والإيجاف : نوع من سير الخيل . وهو سير سريع بإيقاع وأريد به الركض للإغارة لأنه يكون سريعا . والركاب : اسم جمع للإبل التي تركب . والمعنى : ما أغرتم عليه بخيل ولا إبل . وحرف ( على ) في قوله تعالى : فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ للتعليل ، وليس لتعدية أَوْجَفْتُمْ لأن معنى الإيجاف لا يتعدى إلى الفيء بحرف الجر ، أو متعلق بمحذوف هو مصدر أَوْجَفْتُمْ ، أي إيجافا لأجله . و مِنْ في قوله : مِنْ خَيْلٍ زائدة داخلة على النكرة في سياق النفي ومدخول مِنْ في معنى المفعول به ل أَوْجَفْتُمْ أي ما سقتم خيلا ولا ركابا . وقوله : وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ استدراك على النفي الذي في قوله تعالى : فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ لرفع توهم أنه لا حقّ فيه لأحد . والمراد : أن اللّه سلط عليه رسوله صلى اللّه عليه وسلّم . فالرسول أحق به . وهذا التركيب يفيد قصرا معنويا كأنه قيل : فما سلطكم اللّه عليهم ولكن سلط عليهم رسوله صلى اللّه عليه وسلّم . وفي قوله تعالى : وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ إيجاز حذف لأن التقدير : ولكن اللّه سلط عليهم رسوله صلى اللّه عليه وسلّم . واللّه يسلط رسله على من يشاء وكان هذا بمنزلة التذييل لعمومه وهو دال على المقدر . وعموم مَنْ يَشاءُ لشمول أنه يسلط رسله على مقاتلين ويسلطهم على غير المقاتلين . والمعنى : وما أفاء اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلّم إنما هو بتسليط اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلّم عليهم ، وإلقاء الرعب في قلوبهم واللّه يسلط رسله على من يشاء . فأغنى التذييل عن المحذوف ، أي فلا حقّ لكم فيه فيكون من مال اللّه يتصرّف فيه رسوله صلى اللّه عليه وسلّم وولاة الأمور من بعده .